يحيي بن حمزة العلوي اليمني
210
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
ذاك إلا لأنه غير لازم من الإتيان به في البلاغة والفصاحة ، وقد عاب ابن الأثير على من قال إن قوله تعالى : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ ( 17 ) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ ( 18 ) [ الطور : 17 - 18 ] من باب لزوم ما لا يلزم لما ذكرناه ، من أن حرف الروى يجب التزامه بكل حال على الناثر والناظم ، فلا يعد من هذا الباب ، وإنما يعد قوله تعالى : قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ( 27 ) قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ( 28 ) [ ق : 27 - 28 ] وهذا بعينه يعد في أمثلة لزوم ما لا يلزم ، ومن السنة النبوية قوله عليه السلام : فإن كان كريما أكرمك وإن كان لئيما أسلمك ، ومن ذلك قوله : وليحسن عمله ، وليقصر أمله ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم فلا يغنى عنكم 7 لا عمل صالح ، قدمتموه ، أو حسن ثواب حزتموه ، وقوله : تبوّئهم أجداثهم وتأكل تراثهم وقوله : حسنت خليقته وصلحت سريرته ، وقوله : إن أفضل الناس عبد ، أخذ من الدنيا الكفاف ، وصاحب فيها العفاف ، ومنه قوله في صفة الدنيا : واهجروا لذيذ عاجلها لكريه آجلها ، إلى غير ذلك من الأمثلة الواردة في كلامه ، ولا تكاد توجد في السنة إلا على القلة كما ذكرنا أنه في القرآن قليل ، ومن طلبه فيها وجده ، ومن كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه في مثاله ، وكلامه مملوء منه ، منه في صفة الموت : فكأن قد أتاكم بغتة ، فأسكت نجيّكم وفرق نديّكم ، وعفّى آثاركم ، وعطّل دياركم ، وبعث ورّاثكم يقتسمون تراثكم ، وقال في صفة التقوى : وهي عتق من كل ملكة ونجاة من كل هلكة ، ومن ذلك قوله : واعلموا أنكم في زمان القائل فيه بالحق قليل ، واللسان عن الصدق كليل ، واللازم للحق ذليل ، وقال في خطبة : لا تدركه الشواهد ، ولا تحويه المشاهد ، وقوله في وصف الفتنة وأهلها : قوم شديد كلبهم قليل سلبهم ، وقوله عليه السلام في صفة الدنيا : قد صار حرامها عند أقوام بمنزلة السدر المخضود ، وصادفتموها والله كالطلح المنضود ، ومن ذلك ما ورد في كلام البلغاء وهذا كقول عمر رضي الله عنه : ولا يكن حبك كلفا ، ولا بغضك تلفا ، ومن ذلك ما قاله ابن الأثير في ذم رجل يوصف بالجبن : إذا نزل به خطب ملكه الفرق ، وإذا ضل في أمر لم يؤمن إلا إذا أدركه الغرق ، فمراعاة الراء قبل القاف من باب لزوم ما لا يلزم كما قررناه أولا ، ومن ذلك قوله أيضا في كتاب إلى بعض إخوانه : الخادم يهدى من دعائه وثنائه ما يسلك أحدهما سماء والآخر أرضا ، ويصون أحدهما نفسا والآخر عرضا ، فالتزام الراء قبل الضاد لزوم ما لا يلزم ، ومن ذلك ما قاله في كتاب آخر له : ومهما شدّ به